لطالما استهوتني القراءة منذ صغري، أحببت المطالعة وعشقتها فأقبلت عليها بنهم شديد، وكنت لذلك أدّخر من مصروفي لأشتري عشرات الكتب والمجلات، إلى أن كثرت وكثرت في بيتنا فلم يعد لها متسع على الرفوف أو في الخزائن.
أخيراً هددتني أمي بقولها: "إما أنا وإما الكتب في البيت"، وذلك في محاولة منها لثنيي عن شراء المزيد منها. كان هذا منذ وقت طويل جداً، وقت لم يكن في منطقتنا على وسعها مكتبة عامة، فكان كل واحد يشتري ما يحلو له من الكتب وحتى الموسوعات الكبيرة ويدّخرها في بيته.
الى أن أتى اليوم الذي حطت فيه مكتبة عامة في بلدية حارة حريك. أذكر يومها أني اصطحبت ابني البالغ من العمر أربع سنوات إلى حفل افتتاح المكتبة، فرأيت على وجهه إمارات العشق الأولى: إذ كنت قد نجحت في نقل نفس الشغف إليه، وساعدني في ذلك كمّ الكتب الملونة والشيقة المرصوفة بتأن وترتيب.
ومن يومها لم ننقطع عن التردد على تلك المكتبة والتزود منها إلى أن حلّ الصيف بعد نحو عشر سنوات على الافتتاح، عاد ابني إلى المكتبة زائراً ومتطوعاً في آن، وقد استغل فترة العطلة ليساعد أمينة المكتبة في ترتيب الكتب على الرفوف وفي إرشاد الزوار.. شهر كامل أمضاه "يحيى" بين الكتب ومعها وفي قلبها كانت كافية لتساعد هذا الفتى في تنظيم حياته وتوجيهها بالاتجاه الصحيح نحو العلم والمعرفة.
والحقيقة أن هذا كله ما كان ليحصل لولا ثقتي المطلقة كأم بالمكتبة وبالقيّمين عليها وبالمشرفين والموجهين لسياسات العمل فيها.
البارحة أيضاً شهدت افتتاح مركز التدريب المهني والذي من مهامه مساعدة المتسربين دراسياً، وربّات البيوت والأشخاص من ذوي المواهب الذين يعوزهم التوجيه والإرشاد، فأكبرت هذا العمل، خاصة وأنه يأتي في زمان لم يعد يبالي فيه الكثيرون ماذا يزرعون وكيف يزرعون بل تراهم ينتظرون ربحاً ومردوداً سريعاً دون توفير مقدماته المطلوبة.
طوال الوقت الذي استغرقته مراسم الافتتاح وأنا أفكر في أمر أجده أساسياً لإنجاح العمل واستمراره: فهل يمكن لهذا المشروع أن يستقطب أشخاصاً متطوعين يحبون بلدتهم وبلديتهم بقدر ما هي تحبهم، يساعدون ويعملون ويجدّون في العمل في أوقات فراغهم؟ هل من الممكن أن يأتي اليوم الذي يتطوع الناس فيه في أعمال يمكن أن تكون في صلب مهام بلديتهم فيكونوا بذلك شركاء حقيقيين في كل عملية التنمية والازدهار المطلوبة؟.
تجربتي الشخصية والفردية قد تكون مؤشراً إيجابياً لزيادة الوعي حول تفعيل العمل التطوعي، لكن هذا العمل لا يزال يحتاج الى الكثير من الثقافة والإدراك والحب المتبادل، كما أنه يحتاج الى آليات تؤطر العمل وتوجهه في خدمة الناس، وهو أمر ليس بمستبعد عمّن عرفتهم عن قرب من السادة القيّمين في البلدية.
الى بلديتي... شكراً
مها لطف جمول
مهندسة معمارية
24/12/2009