إنطلاقاً من المبدأ القائل إن أحوج الناس إلى العلم أحوجهم إلى الطعام والشراب، وبعد عمل استمر لما يقارب عاماً كاملاً، وفي خطوة غير مسبوقة انتهت اليوم بلدية حارة حريك من أعمال التحضير لإفتتاح مركزها المخصص للتدريب والتأهيل المهني.
المشروع الذي تبلغ مساحته أكثر من ألف متر مربع، يقع في منطقة حارة حريك مقابل كنيسة مار يوسف ويفتتح الثلاثاء 15/12/2009 ليكون أول مركز تدريب وتأهيل مهني شبه مجاني في المنطقة.
"المشروع عبارة عن مركز للتدريب والتأهيل المهني ومعرض دائم لدعم قدرات المرأة وقد بدأ التحضير له منذ حوالي السنتين ونصف السنة، وهو ممول من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP والوكالة السويدية الدولية للتنمية SIDA وبلدية حارة حريك"، هذا هو باختصار ما بادرنا به نائب رئيس بلدية حارة حريك الأستاذ أحمد حاطوم، جامعاً لنا أشهراً من العمل المتواصل بهدف خدمة أبناء المنطقة.
ثلاثة شرائح هي المستهدفة من هذا المركز، أولها هم الناس الذين لا يملكون مهارات وقدرات تقنية، والشريحة الثانية هي شريحة المتسربين مدرسياً أو الذين هم على طريق التسرب، أما الشريحة الثالثة والأهم والتي تأخذ حيزاً واسعاً في المركز هي النساء اللواتي لا يملكون قدرات أو لديهم قدرات ضعيفة ويريدون تنميتها وتقويتها.

في الحالات الثلاث يمكن أن يكون هذا المركز هو الأمثل فقد أكد حاطوم أن "معهد التدريب والتأهيل المهني يساعد الذين لا يملكون مهارات وقدرات تقنية فيؤمّن لهم هذه القدرات والتقنيات".
وبالنسبة للمتسربين مدرسياً أيضاً يحاول المركز أن يؤمّن لهم إمكانية الحصول على فرصة عمل، أي بحسب حاطوم "تدريبهم وتأهيلهم لإتقان مهنة معينة على أسس حديثة فتصبح لديهم قابلية التطور مستقبلاً، لأن أغلب المهن تطورت تكنولوجياً وهناك الآن مشكلة لدى بعض أصحاب المهن في محاكاة التكنولوجيا".
أما عن شريحة النساء المستهدفة فيقول حاطوم: "واجبنا أن ننمي قدرة النساء اللواتي لا يملكن قدرات أو لديهن قدرات ضعيفة وتردن تنميتها وتقويتها، بما يسمح لهن بمزاولة العمل ضمن المنزل وليس خارجه".
حاطوم الذي كشف لنا عن إمكانية إنشاء "مؤسسات صغيرة أو مؤسسات داعمة معنية بالمرأة" تابع شرحه عن الأقسام المتعلقة بالنساء، فحصرها بثلاث قائلاً: "ما هو موجود حالياً هو للتصنيع الغذائي (المونة)، المكياج والعناية بالبشرة، وتصميم الأزياء وخصوصاً للفتيات اللواتي هن في بداية سن التكليف لأن هذه الشريحة يجب أن تحاكيها بحجاب على الأقل يتماشى مع الأسس الشرعية ولا يتعارض معها وبالمقابل لا يكون غير مقبول من جانب بعض العائلات".
وعن العبرة من موضوع تصميم الأزياء أضاف حاطوم: "إن الفتاة التي تتدرب تحاكي أساليب حديثة في التصميم ونحن نريد تقديم نموذج لبعض العائلات التي تعتبر الحجاب مصدراً للشكوى، فاليوم ليس كل الناس بنفس الذهنية وعلى نفس المستوى الثقافي ولديهم نفس الإدراك أو يعلمون أبعاد الحجاب".
ويتابع حاطوم: "أحياناً يتم الإبتعاد عن الحجاب بحجة أنه ليس على الموضة أو حديثاً، وإذا استطعنا أن نعلمهم فن تصميم الأزياء ضمن المعايير الشرعية وأن نصنع حجاباً يحاكي الظروف الحالية ويمتلك جميع المواصفات الشرعية فأين هي المشكلة؟"
والأهم من ذلك أن اللواتي ستتلقين التدريب في الاختصاصات كافة ستكون لديهن فرصة لعرض منتجاتهن في الطابق السفلي للمركز لفترة لا تتجاوز الستة أشهر، وستتبدل الفتيات والنسوة كل ستة أشهر وبذلك تؤمن فرصة لأكبر عدد ممكن من الناس، وفي هذه الفترة سيكتسبن مهارات وثقة بالنفس وتصبحن جديرات بحمل مهنة، وفي بعض الحالات سيقوم المركز بتقديم المساعدة لهن للقيام بأعمالهن داخل المنزل، فيكون المركز قد أمّن بذلك دعماً مادياً للأسرة ومدخولاً إضافياً يمكّنها من العيش الكريم.
أما بالنسبة لتدريب الشباب وخاصة من هم بأعمار صغيرة فهناك عدة أقسام حالياً يمكن الإستفادة منها، فبحسب حاطوم هناك "قسم مرتبط بالتكييف والتبريد، وقسم الميكانيك، وقسم كهرباء السيارات، وقسم كهرباء المنازل، وكل هذه المهن يقوم المركز بتدريب الشاب عليها لكي يستطيع أن يؤمن لنفسه فرصة عمل جدية، ويمكن للمركز أن يؤمّن له مبلغاً مادياً لشراء عدة بسيطة".

ولا يقتصر عمل مركز بلدية حارة حريك للتدريب والتأهيل المهني على الدورات فقط، بل يتعداها إلى إمكانية القيام بورش عمل ودورات تدريبية محددة الوقت والموضوع، كورشة عمل حول الأسرة وكيفية حل النزاعات داخلها، وورشة عمل حول التقنيات الحديثة في الميكانيك أو بعض برامج الكمبيوتر أو بعض برامج التوعية.
أما عن البدل الذي سبدفعه الطالب مقابل تعلمه مهنة معينة، فلا يخفي حاطوم عجز البلدية عن تغطية النفقات بشكل كامل موضحاً أن "البلدية لا تستطيع أن تتحمل الأعباء، وقد يكون هناك بدل رمزي لا تتجاوز قيمته نصف ما يدفعه الطالب في الأماكن الأخرى". مضيفاً "نحن نطمح أن يكون المركز مجانياً، وأكثر من ذلك نحن في مفاوضات مع بعض الجهات المانحة لكي تقدم المساعدات للطلاب، كما ان البدل يختلف أيضاً من مهنة إلى أخرى فهناك مهن تستطيع البلدية أن تغطي نفقاتها بالكامل".
وعن التمويل المستقبلي للمشروع فـ "هناك جزء ستتولى تمويله البلدية، وجزء يموّل من عائدات المبالغ الرمزية، كما أن هناك جزءاً مموّلاً من الجهات المانحة إن كانت محلية أو خارجية، وكل ذلك مرتبط بعدد الطلاب سنوياً".
إذاً مركز بلدية حارة حريك للتدريب والتأهيل المهني يفتتح غداً بابه العلمي العريض أمام أهالي الضاحية الجنوبية وساحل المتن الجنوبي ولجميع الناس بمختلف شرائحهم وطوائفهم وانتماءاتهم، فالهدف من مشاريع كهذه هو محاكاة البشر وتنمية قدراتهم وتأمين فرصة عمل لعيش كريم بعيداً عن التذلل على أبواب كبيرة ملّ الناس من الطرق على أخشابها.
الصور لـ "موسى الحسيني"