تعتبر بلدة حارة حريك من البلدات التي تحمل في دفتي تاريخها المعاصر نموذجا مهما للعيش المشترك بالرغم ما أصابها من ويلات الحرب الأهلية بدءا من العام 75 وما قبل، وصولاً الى عدوان تموز 2006، إلا ان ارادة الصمود والتحدي كانت دوماً تفرض عليها الخروج من دائرة الخوف والحرمان الذي لف نسيجها الاجتماعي المتشكل من كل الطوائف اللبنانية الى دائرة الضوء لتكون واحة من العيش المتبادل، مع ما يفرضه ذلك من ملازمة العمل المتواصل على كافة الصعد الخدماتية والصحية والتربوية والاجتماعية لتبقى في واجهة البلدات الطامحة دوماً إلى الأحسن والأفضل.
الموقع الالكتروني لبلدية حارة حريك أجرى حوار شاملاً مع رئيس البلدية المحامي سمير دكاش تناول تاريخ البلدة وحاضرها ومستقبلها، وتوقف مليا عند الهموم والمعاناة التي تعيشها هذه البلدة وما يجب أن تكون عليه.
هل يمكن أن تعطونا نبذة سريعة عن بلدة حارة حريك، تاريخها، أهم الأحداث التي مرت عليها والتطورات التي شهدتها؟
هناك أكثر من رواية فيما يعود لتسمية هذه البلدة: رواية تقول إن البلدة كانت للأمراء الشهابين وكانت عبارة عن "حارة"، والعاملون فيها هم من الأتباع يتولون إدارة شؤونها، وبالتالي جاءت تسميتها بحارة حريك، أما الرواية الثانية فتقول بأن التسمية مستمدة من شخص قليل الحراك، وكانوا يمازحونه الناس بـ"الحِرك" نسبة لعدم حراكه، وعليه جاءت تسمية البلدة بحارة حريك، إلا أن هناك رواية ثالثة هي الأكثر شياعاً تقول أن هذه البلدة كانت عبارة عن مركز لرعاة الأغنام والأبقار لكونها منطقة سهلية تحتوي على جميع أنواع الفواكهة، وهذه المنطقة كانت ممتدة من الحازمية لغاية ما يسمى "المرّمح" وهي اليوم عبارة عن حرش من الصنوبر، وتقوم فوقها بعض المنازل لهؤلاء الرعاة، وكانوا يطلقوا عليها "حارة الرعاة" وعليه جاء التسمية بناء عليها.
من هنا يمكن القول إن حارة حريك مرت بعدة عهود، أولها عهد الشهابيين، وكان ذلك في العام 1711، ثم عهد المتصرفين حيث أُبتيعت الأراضي من قبل المتمولين الذين عمدوا فيما بعد الى بناء مساكن فيها وأحاطتها بأسوار بهدف تربية المواشي، ودود القز، ثم أنشأوا معامل لصناعة الحرير.. في العشرينات، أي بعد الحرب العالمية الأولى، بدأت تنشأ بيوت لأشخاص من جميع الطوائف، بخاصة الطائفة المارونية، ثم الطائفة الشيعية.
أما الأحداث التي مرت على حارة حريك، فأهمها أحداث 58 ولكن لم تتأثر بها، وبقي سكانها فيها نتيجة التعايش المشترك بين الطوائف. أما في العام69 أي بعد نشوء المقاومة الفلسطينية فبدأت الأسلحة تتدفق إلى المخيمات الفلسطينية المجاورة للبلدة ما أوجد نوع من الحذر والخوف من قبل سكان البلدة، الى ان حصل الصدام المسلح بين الفلسطينيين من جهة والجيش اللبناني من جهة أخرى وأدى الى نزوح قسم كبير منهم، ثم تبعتها أحداث الـ 75 وكانت نتيجتها إحراق عدد كبير من المنازل والمحال التجارية، الأمر الذي أدى إلى هجرة سكانها الى خارج البلدة.
العيش المشترك
تعتبر بلدة حارة حريك نموذجاً للتعايش الحقيقي بين اللبنانيين، إلى أي حد يمكننا تلمّس هذا التعايش في المرحلة الحالية، ولا سيما في ظل الأوضاع الحاضرة في البلدة؟
.. بعد انتخابات البلدية عام99 تلمّس أهالي البلدة ممن غادروا البلدة إبان الحرب الأهلية مدى أهمية العيش المشترك بين الطوائف، حيث بدأنا نشهد مجيء الأهالي إلى البلدة للمشاركة في القداس وإقامة الزيارات الاجتماعية بين مكوناتها بالرغم من إنهم فقدوا منازلهم أثناء الحرب، وبالتالي كان هناك شعور كبير بأهمية العودة إلى البلدة، وإحياء هذه العلاقة من جديد.. من هنا نحن بصدد بناء صالون للكنيسة كلفته مليون دولار بهدف إعادة إحياء هذه العلاقة.
التحول بين الماضي والحاضر
بين البلدة الصغيرة ذات الحقول والبساتين، والمدينة ذات الأبنية الشاهقة تغيرت الحارة وصارت شيئاً آخر مختلفاً عن الماضي. كيف ترصد ايجابيات وسلبيات هذا التحول؟
كما ذكرنا التحول حصل بعد العام 65 أي بعد نشوء منظمة "فتح" وتخوف الأهالي المجاورين لمخيمي برج البراجنة، وصبرا وشاتيلا من حصول أحداث عسكرية، الأمر الذي حملهم على مغادرة البلدة، وتطور الأمر مع العدوان الإسرائيلي على أهلنا في الجنوب عام 78 الذي شهد نزوحا كثيفاً للأهالي إلى ساحل المتن الجنوبي، حيث بدأت "طفرة" العمران منتصف الستينات، على اعتبار ان البلدة كانت قبلا عبارة عن بيوت سُفلية في حدها الأدنى، وطابقين في حدها الأقصى، وخلال هذه الفترة كثُرت أعمال البناء لاستقطاب أهالي الجنوب النازحين من جراء هذا العدوان، مما أفرغ هذه المنطقة خلال سبع سنوات تقريباً من أهلها المسيحيين الذين عمدوا كما ذكرنا إلى بيع أراضيهم من خلال السماسرة وبأسعار كبيرة لأجل أن يعتاشوا في مكان آخر.. وعليه يمكن القول ان سلبيات هذه المرحلة أكثر من إيجابياتها، أولا أهل البلدة من المسيحيين تركوها وباعوا أراضيهم، اما إيجابياتها أنه لم يحصل أي خلاف بين أهل البيت الواحد طيلة الحرب الأهلية، والعودة التي تتم اليوم هي بفضل هذا النموذج من التعايش، على اعتبار أن التواصل كان مستمراً طيلة هذه الفترة الأليمة بين عائلات حارة حريك.
آثار عدوان تموز
كيف أثرت حرب تموز عام 2006 على حارة حريك ، وهل يمكن القول إن البلدة بدأت تتجاوز آثار الحرب ؟
كما تعلمون حرب تموز دمرت ما يزيد عن مئتين وخمسين مبنىً كلياً وأكثر من خمسمائة مبنى بشكل جزئي، غير أن الملفت هو عودة الناس السريعة إلى البلدة في اليوم التالي من انتهاء الأعمال الحربية، الأمر الذي فاجأ العالم بأسره، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على مدى تشبث الناس بأرضهم.. هذا التشبث أعطى للقيمين على الأوضاع في حارة حريك حافزاً للعمل على إعادتها أجمل مما كانت، حيث لم نكن لننتظر طلباً من الحكومة اللبنانية أن تقدّم لنا مخططاً توجيهيا من طرقات وجسور وغيرها، وهذا قد يتطلب عشرات السنين! إنما اصرينا على إعادة الحال كما كان سابقاً وذلك بفضل مشروع "وعد" لإعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي، والى اليوم أنجزنا ما يقرب الـ60 في المئة من الأعمال العمرانية، وخلال سنة ونصف تكون البلدة قد أُعيد بناؤها بالكامل.. وحالياً ليس لدينا عراقيل ان من ناحية السير وخلافه، لا سيما إننا لدينا مخططات توجيهية للسير، وقريبا سنشهد إنارة طرقات، وشارات لاتجاهات طرق محددة ثم لدينا مخططات أخرى ستظهر مع نهاية هذا العام. أقول بصراحة تجاوزنا آثار الحرب بأقل الخسائر الممكنة وبالسرعة القصوى، والتي لم يكن أحد يتوقعها.
قامت بلدية حارة حريك على التوافق كيف تصفون الأجواء داخل المجلس البلدي، وهل ترون فيه أداة فاعلة لتحقيق الانماء المطلوب؟
التوافق هو سمة العمل البلدي في حارة حريك بأعضائه الثمانية عشرة .. وبصراحة جلسات المجلس البلدي منذ العام 99 إلى اليوم قرارتها بالتوافق، لم يحصل ان تحفظ أحد على قرارات المجلس.. فجدول الأعمال يوضع من قبل رئيس المجلس البلدي، ويعرض على أعضاء المجلس قبل خمسة أيام، بعد أن يكون هذا الجدول قد مّر على اللجنة الفنية، ولجنة الأسعار ولجنة التخطيط، ولم يحصل أن تفردت بقرار من قرارات المجلس.
بعد مرور خمس سنوات على تبوئكم سدة رئاسة المجلس البلدي تبعت ست سنوات سبقت، كيف تقوّمون تجربتكم البلدية، وهل تعتقدون أنكم حققتم ما كنتم تطمحون إلى تحقيقه؟
في الحقيقة لا يمكن فصل المجلس البلدي الجديد عن المجلس القديم بأعضائه الثمانية عشر برغم تطعيمه بأربعة اعضاء جدد، على اعتبار ان المجالس استمرارية.. ونحن في المجلس البلدي قمنا بواجبنا تجاه بلدتنا حيث استحدثنا مكتبة ثقافية بمساحة ثلاثمائة متر وتتضمن ما يقرب من عشرة آلاف كتاب، ومجهزة بكافة التجهيزات من كمبيوتر وتلفزيونات ومسارح وألعاب للاطفال، كما أبدينا اهتماماً بالمدارس الرسمية والخاصة من حيث الإشراف عليها، كما قمنا بتوسيع وشق طرقات البلدة القديمة، واليوم تلقينا هبة كويتية لاعمار مبنيين تابعين للمدرسة الرسمية، وهبة أخرى لتأهيل البنى التحية التي دمرت يفعل عدوان تموز، إضافة الى الرعاية الصحية التي توليها بلدية حارة حريك اهتماماً كبيراً حيث لدينا ما يقرب من عشرين طبيباً من مختلف الاختصاصات يقدمون خدماتهم الصحية مجاناً للمواطنين، فضلا عن تقديمهم الأدوية مجاناً. هذا في الجانب الصحي أما في الجانب العائد لتنظيم السير فوضعنا خطة لتنظيمه وأُرسلت الى المعنيين في الدولة لدراستها وان شاء الله مع نهاية العام الحالي تصبح هذه الخطة ناجزة لتطبيقها على الارض.. في الواقع لدينا طموحات كثيرة لكن حرب تموز أخرت تطموحاتنا، وان شاء الله خلال عشرة اشهر نستطيع أن نحققها ومنها على سبيل المثال لا الحصر تجهيز البلدية بعناصر شابة جديدة، وتعديل النظام البلدي الذي يعود الى السبعينات.
العقبات الادارية
هل من عقبات ادارية على صعيد القانون كما على صعيد الدوائر الرسمية، تعيق عملكم، وهل أنتم راضون على ما يحققه قانون البلديات الحالي من حرية حركة للمجالس البلدية ولا سيما المجالس الكبرى؟
القانون البلدي وضع سنة 77 أي منذ اثنين وثلاثين عاما، وبالتالي مثل هذه القوانين لا يمكن أن تتماشى مع وضعنا الحالي، بل يجب إعادة النظر فيها، أما على صعيد الدوائر الرسمية فلا توجد مشاكل على اعتبار أن معاملاتنا قانونية، انما المؤسف هو الروتين الإداري الذي يؤخر تنفيذ المشاريع المطلوبة، غير ان الملاحقة المستمرة من قبلنا هي التي تسرّع في إنهاء المعاملات المطلوبة.
التمويل
كيف تقيّمون حجم اهتمام الدولة بتمويل العمل البلدي، وهل من ملاحظات لكم على ما تحصلون عليه من مبالغ من الصندوق البلدي المستقل؟
بصراحة منذ اليوم الأول ونحن نطالب بأموال الصندوق البلدي.. فهل يجوز مثلاً ان يتجاوز سعر طن النفايات الـ 130دولار لإزالتها من الشوارع، ثم هناك عائدات الكهرباء لبلدية حارة حريك التي لم نستحصل عليها منذ سنة 94، بحجة أنها غير متوفرة، مع العلم أن هذه المبالغ (وتقدّر بعشرة بالمئة من كل فاتورة) تقتطع من فاتورة الكهرباء بشكل دائم. فتمويل الدولة نادر جداً جداً.. الدولة هنا لا تهتم بشيء، نحن نقوم مقام الدولة، حتى الطرقات لا تقوم بتزفيتها! مع العلم ان هذه المنطقة تدفع ما عليها من المستحقات العائدة للكهرباء والمياه وخلافه.
كيف تقيّمون مالية البلدية سواء لناحية الجباية أو لجهة الهبات والمساعدات أو غيرها من مصادر الدخل؟
نحن نبذل أقصى جهد لاستحصال الجباية من المواطن، كما تعلم هذه المنطقة متوسطة الدخل، وقد ضعف الجباية فيها أثناء الحرب، ولكنها عادت، وإن كانت غير كافية، أولا لعدم وجود جباة أكفاء، ثم ان طريقة تحصيلها تتم بالوسائل اليدوية بانتظار مكننتها عام 2010 وقد بدأنا بعملية المكننة حاليا. ولكن الملفت ان موازنة البلدية لم تقع بعجز حتى الساعة وهناك توازن دائم بين المداخيل والنفاقات. اما المساعدات التي قدمتها الدولة لبلدية حارة حريك فقد اقتصرت على رفع أنقاض جراء حرب تموز، أما الردميات فنحن تكفلنا به.
مساعدات دولية
نحن نعلم ان لديكم تعاوناً كبيراً مع العديد من المؤسسات الدولية المانحة والعاملة على صعيد تنشيط العمل البلدي، هل انتم راضون عن مستوى هذا التعاون وما هي أهم الإنجازات التي حققتموها للبلدة من خلاله؟
بالواقع لم أطلب المساعدة من احد، ولم أُراسل أحدا، ما حصل ان برنامج الامم المتحدة الإنمائي UNDP قدم لنا هبة لإزالة الردميات من الطرقات، وذلك على مدى أربعة اشهر، ثم أهلّ لنا الطريق الممتدة من جامع الامامين الحسنين (ع) وصولا الى طريق المطار، قبل ذلك َقدّم لنا برنامج الصندوق الدولي ما قيمته 600 مليون ليرة لتأهيل البنى التحتية في حارة حريك وكان ذلك بإشراف الدولة اللبنانية، ثم جرى مشروع لبناء مجمّع مركز بلدية حارة حريك للتدريب والتأهيل المهني ـ المعرض الدائم لدعم قدرات المرأة من قبل الوكالة الدولية السويدية SIDA ومن قبل برنامج الامم المتحدة الإنمائي بقيمة ثلاثمائة ألف دولار، كما تم تقديم هبة 300 ألف دولار لمستوصف البلدية على مدى 3 سنوات من قبل مقاطعة توسكانه الإيطالية بهدف تطويره ليكون أول مركز للرعاية الصحية الأولية طبقاً للمواصفات الأوروبية.
تواصل وتعاون
كيف تصفون تعاونكم مع البلديات المجاورة، سواء من خلال اتحاد بلديات الضاحية او من خلال التواصل الثنائي المشترك؟
قبل نشوء "الاتحاد" بثلاث سنوات كنا نعتبر أنفسنا بلدية واحدة، والبلديات هي: فرن الشباك الحدث، المريجة، الشياح، الغبيري، حارة حريك، برج البراجنة، ونحن بذلك نشكل همزة وصل بين الجميع، حيث الاجتماعات واللقاءات متواصلة بشكل يومي، لأننا لا يمكن ان ننعزل عن الآخرين، وإلا أُصبنا بالشلل، وبالتالي هناك قرارات مشتركة تتخذ فيما يخص تنظيم السير، إنشاء حدائق، وخلافه، ونحن اليوم في صدد تطوير عمل "الاتحاد" لكونه حتى الان لا يملك جهازاً ادارياً وبشرياً بمختلف الاختصاصات.
موقع بلدية حارة حريك على شبكة الانترنت خطوة تقدمونها لأهل البلدة والعالم، ما هدفكم من الموقع، وكيف تنظرون اليه؟
استحدثنا هذا الموقع لتعريف الناس حقيقةً ما هي حارة حريك وصورتها الحقيقية ليكونوا على بيّنة من هذه البلدة التي تشكل نموذجا للعيش المشترك من كل الطوائف.
.. كلمتك الأخيرة لأهل البلدة؟
أولا اقول للذين تركوا البلدة قسراً أن يبقوا على تواصل دائم مع جيرانهم وأصدقائهم الذي عايشوهم خلال تلك الفترة، أما القاطنون فنقول لهم نحن هنا لأجلهم، ومن الضروري أن يكون هناك تعاون فيما يبننا في كافة المجالات حرصا على بلدتهم التي تحتاجهم في كثير من الامور.
أجرى الحوار: حسين عواد
تصوير: موسى الحسيني